ارتفع مؤشر بورصة إستانبول بأكثر من نقطة ونصف في صبيحة اليوم التالي لإعلان النتائج، وأصدرت دولة الفاتيكان بيانا تدعو فيه الاتحاد الأوروبي إلى تسريع انضمام تركيا إليه، والخارجية البريطانية هنأت أردوغان على الفوز واعتبرته فوزا لأوروبا.
كانت هذه أول ردود فعل على فوز حزب العدالة والتنمية التركي بالأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان في انتخابات الأحد 22 من يوليو 2007. وحصاده أكثر من 47% من الأصوات. ليس ذلك فقط بل أصبح أول حزب في تاريخ تركيا الحديثة تزداد شعبيته بعد ممارسته الحكم.
لردود فعل من هذا النوع أهميتها؛ فغني عن البيان أن الأحزاب الإسلامية في المنطقة ذات نجم صاعد وشعبية متزايدة وذلك في مختلف دول العالم العربي والإسلامي من الماء إلى الماء، وثبت بالتجربة أنه ما إن تُفتح أمام هذه الحركات صناديق الاقتراع حتى تحملها هذه الأخيرة إلى الصفوف الأولى، بدأ ذلك مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، ولن ينتهي بما حققه العدالة والتنمية التركي.
لكن من المهم السؤال: إذا قدر لهذه الحركات والأحزاب جميعا أن تفوز بما فاز به إخوان رجب طيب أردوغان فهل تجلب ردود الفعل نفسها؟ هل ينتعش الاقتصاد، فيرحب بها من يختلف معها، ويطمئن لها أصحاب المصالح وتقبل بها مختلف التوجهات؟.
نقرأ مثلا: (الانتخابات -الأخيرة- التي غيّرت كل شيء أعطت الولايات المتحدة والأوروبيين فرصة لبداية جديدة مع تركيا بعد الجفاء الحاصل منذ سنتين. أمّا السيد أردوغان، وهو مفاوض عنيد، فإنه -وهذا مشروع- يريد تركيا قوية ومزدهرة وأكثر حرية. ونرى أن في ذلك كله مصلحة للغرب).
وهذه الشهادة جزء من افتتاحية صحيفة هيرالد تريبيون الأمريكية (عدد يوم السبت 28 من يوليو 2007)، ويبدو منها أنّ ما حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا إنجاز تاريخي واختراق غير مسبوق.
ثلاث قطائع كبرى.. من صنع أردوغان
أهم سبب وراء نجاح رجب طيب أردوغان في قيادة حزبه إلى ما حقق في الانتخابات الأخيرة هو إحداث قطائع كبرى، فكرية وثقافية وتنظيمية.
أول قطيعة وربما أهمها إعادة النظر في المنطلقات والمسلمات، وأبرزها ثنائية إسلام/علمانية، هل كل ما في العلمانية نقيض للإسلام؟ وهل كل الإسلام يحرم العلمانية؟ تساؤل من هذا النوع ساعد حزب العدالة والتنمية التركي على إيجاد معادلة خاصة به لهذه الثنائية التي شغلت كثيرا تركيا نفسها وعطلت طاقاتها باسم صراع مشتد بين إسلاميين يهددون أركان العلمانية، وعلمانيين يرون في كل ما هو إسلامي خطرًا على كيان الدولة ومشروع الكمالية.
العلمانية في المنظور الجديد أساس تنظيمي وفكري للحكم، مجرد من أصوليته العقدية؛ فقد سعى أردوغان ورفاقه إلى تحرير العلمانية التركية من غلوائها وتطرفها تجاه الدين، وبالمقابل فعل الشيء نفسه مع نظرته للإسلام وطريقة استمداد التعاليم والقيم الدينية بشكل يلائم مقتضيات العصر الحديث، دون أن يسقط فيما تسقط فيه حركات طالبانية، تعيش باسم الدين أسيرة لثقافة عصور خالية. فلا الإسلامية التركية تشبه خطاب ونهج طالبان، ولا العلمانية التي يؤكد أردوغان على احترامها ويعمل على بقائها مكون من مكونات تركيا هي نفسها الصورة الأولى التي وضعها مصطفى كمال أتاتورك.
القطيعة الثانية التي أحدثها أردوغان كانت مع نهج أربكان، وكان تلميذا ومريدا له؛ ففي العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي أخذ أردوغان عنه المضمون وتخلى عن الشعار. فأن تصبح تركيا قوية اقتصاديا وسياسيا لا يمكن أن يتم في محيط معاد لمصالحها الإستراتيجية، فأصبح هدفه بناء تركيا قوية وسعى لتحقيقه بطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي والاستجابة لمطالبه وتحقيق معاييره السياسية والحقوقية. لم يستنجد أردوغان بالضعفاء في العالم (الدول الثمانية في العالم الإسلامي) لبناء دولة قوية، بل توجه لتحقيق ذلك إلى الأقوياء اقتصاديا وسياسيا (الاتحاد الأوروبي).
ثالثة القطائع أهمية هي الإيمان بالحرية الفردية وفق القانون، فقد جعل أردوغان حق الفرد في اختيار نمط حياته، وفي تحديد مصيره بمحض اختياره أساس محاججته للأوساط العلمانية التي جعلها تبدو أنها تحولت من مدافع عن الحرية إلى قامع لها، بفرضها نزع الحجاب قسرًا عن الفتيات اللائي اخترنه بمحض إرادتهن. وبذلك سقطت في المأزق الذي ظنت أن إسلاميي تركيا سينزلون إليه.
العدالة والتنمية المغربي والنموذج التركي
إضافة إلى كل ما سبق بنى حزب العدالة والتنمية التركي سياسة اقتصادية واجتماعية ناجحة، شهد له بذلك خصومه قبل أصدقائه، وبلغة الاقتصاد ارتفعت الليرة التركية إلى أعلى مستوياتها أمام الدولار طيلة سنوات حكم أردوغان، وحقق الاقتصاد التركي نجاحًا دعا إلى التعجب والإعجاب؛ فنسبة النمو ارتفعت إلى 7% أي وراء الهند والصين مباشرة، ونسبة التضخم ضئيلة، والبورصة قفزت 5% إلى الأمام. وما أن أعلن فوز الحزب من جديد حتى ارتفع مؤشر البورصة إلى أعلى مستوى لها منذ سنتين.
ولكن ما علاقة ما سبق بما يجري في المغرب؟
من حيث الشكل عندنا العدالة والتنمية كما عندهم، وسنُجري انتخابات تشريعية في الشهر المقبل كما أجروها في الشهر الماضي. لكن هل سيتكرر السيناريو؟
بالرغم من أن العدالة والتنمية المغربي سابق تاريخيا في التأسيس على نظيره التركي، فإن حزب سعد الدين العثماني لم يُجرّب إلى الآن في تدبير مقاليد الحكم، وبالتالي سيكون من السابق لأوانه الحكم على تجربة العدالة والتنمية المغربي سلبًا أو إيجابًا؛ فالسياسة بالدرجة الأولى معطيات على أرض الواقع وليست مجرد نوايا أو شعارات.
وكون العدالة والتنمية المغربي لم يجرب ممارسة الحكم هو في حد ذاته نقطة ضعف وقوة في نفس الآن. نقطة قوة لأن لا أحد يستطيع أن يحاسبه على شيء لم يقترفه، ونقطة ضعف لأن التحديات المنتصبة أمامه تحتاج إلى مراس وتمرين لم يعرف عنهما شيئا.
باستحضار القطائع السابقة التي هيأت للعدالة والتنمية التركي تدشين مرحلة جديدة من الممارسة لفصيل سياسي منحدر من أصول الحركة الإسلامية، لكنه متفرد عن كل النماذج السابقة ومتجاوز لقضايا وإشكالات باقي الحركات الإسلامية خاصة الكبرى منها في مصر وباكستان... باستحضار ذلك فإن العدالة والتنمية المغربي يتوفر على نقط قوة خاصة به، ساعدته منذ تأسيسه في أواسط تسعينيات القرن الماضي على الخروج بسلام من عدة مطبات، وتجاوزه لمخاطر ومنزلقات كادت أن تفتك به، لكن بالمقابل فإن النسخة المغربية من العدالة والتنمية تنطوي على معيقات ذاتية، وتحديات خارجية قد لا تساعدها على تحقيق النتيجة التركية على الأقل في المدى المنظور.
فروق كبيرة.. والاقتراع يحكم
في تركيا استفاد العدالة والتنمية من وجود فرد له من القوة والنباهة السياسية ما منحه كاريزما خاصة به، ساعدته على قيادة سفينة الحزب والبلاد إلى الوضع المريح الذي هما عليه. فرجب طيب أردوغان (53 سنة) السياسي والاقتصادي والإداري المحنك، لا يستطيع المراقب في المغرب والخارج أن يجد له نظيرًا في العدالة والتنمية المغربي، ومهما عددنا من محاسن أمينه العام الحالي، فإن أقرب المقربين إليه يشككون في قدرته على تدبير المراحل المقبلة خاصة إذا استدعت من الحزب قيادة الحكومة أو على الأقل المشاركة فيها.
فسعد الدين العثماني (51 سنة) طبيب نفسي وفقيه، لكن هل بمقدوره تدبير الشأن العام؟ ووراء العثماني نجد أن الفرز من بين قيادات الصف الأول ليس واضحا بعد أكثر من 10 سنوات من انطلاق الحزب في صيغته الجديدة.
في تركيا نظام علماني شرس، وفي المغرب نظام سياسي يبني مشروعيته على الدين ومؤسسة إمارة المؤمنين التي تعززت ركائزها أكثر في العهد الجديد؛ وهو ما يجعل من الاستجابة للانتظارات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي هي الشيء الوحيد الذي قد يحفظ ماء وجه العدالة والتنمية المغربي إن هو تسلم الحكم أو شارك فيه.
وليس الطابع الديني ما يقتسمه الحزب مع النظام السياسي، بل أكثر من ذلك فإن قواعد اللعبة السياسية في المغرب لا تسمح للأول إلا بهامش ضئيل من الحركة مقابل استفراد الثاني بصناعة القرار في أكثر المجالات حيوية، وهذا من شأنه أن يكون التحدي الأكبر.
إلى الآن الإشارات التي أطلقها إخوان العثماني مطمئنة للداخل، وشهادة الوزير الأول إدريس جطو في لقائه الأخير بالصحافة حين قال: "لقد أظهروا أنهم يمكن التعامل معهم"، فيه دلالة قوية على انتهاء مرحلة التطبيع مع المحيط السياسي الداخلي، وتبقى توجسات آخرين مشروعة إلى أن يثبت العكس.
ليس مطلوبا من العدالة والتنمية المغربي أن يكون نسخة طبق الأصل لنظيره التركي -ولا يستطيع- ولكنه مطالب في الوقت ذاته بأن تكون قيمته المضافة للحياة السياسية المغربية ملموسة إيجابيا على الدولة والأفراد، قد يقبل المغاربة أن تكون هذه القيمة المضافة متدرجة وجزئية، لكن الأسوأ والأخطر على المستقبل أن تكون مزعزعة لاستقرارهم وسلبية على مصالحهم.
كتبها سمير فواز في 02:21 مساءً ::


الاسم: سمير فواز

